السيد حيدر الآملي

128

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

مئوفة يلحقها عند ملاحظة المعاني الإلهيّة ما يلحق عيون الخفافيش إذا نظرت إلى نور الشمس منعوا عن إيداع العلوم صدورهم الغير الزكيّة وإلقائه على عقولهم الغير القويّة إلّا لمن يستنّ بسنن الحكماء ويتخلّق بأخلاق الأصفياء من رفض اللّذات الحسّيّة وترك المألوفات الطبيعيّة ، لأنّ من لم تصف نفسه من الكدورات البدنيّة ولم يرتض عقله بالرياضات العلميّة والعمليّة فلا سبيل له إلى السعادات الأبديّة ولا سلوك له في المناهج الإلهيّة . قال صائن الدّين بن تركه في تمهيد القواعد ص 104 : وهذا من جملة حكم اللّه البديعة أن جعل الوهم حارسا لحضرته المنيعة عن أن يكون شريعة لكلّ بصيرة حولاء وفطانة بتراء ، إلّا لعباده المخلصين الذين فتح اللّه بصيرتهم بنور اليقين حتّى رأوا الحقّ على ما هو عليه بنوره المبين : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . قال الشيخ الرئيس في آخر النمط التاسع من الإشارات ج 3 ص 394 : جلّ جناب الحق عن أن يكون شريعة لكلّ وارد ، أو يطّلع عليه إلّا واحدا بعد واحد ، ولذلك فإنّ ما يشتمل عليه هذا الفنّ ضحكة للمغفّل ، عبرة للمحصّل ، فمن سمعه فاشمأزّ عنه فليتّهم نفسه لعلّها لا تناسبه ، وكلّ ميسّر لما خلق له . قال الشارح الطوسي في ذيله : والمراد ذكر قلّة عدد الواصلين إلى الحقّ ، والإشارة إلى انّ سبب إنكار الجمهور للفنّ المذكور في هذا النمط هو جهلهم به فإنّ الناس أعداء ما جهلوا ، وإلى أنّ هذا النوع من الكمال ليس ممّا يحصل بالاكتساب المحض بل إنّما يحتاج مع ذلك إلى جوهر مناسب له بحسب الفطرة . ولنختم الكلام بما قاله شيخ الإشراق في وصيّته في كتابه حكمة الإشراق ص 257 : أوصيكم إخواني بحفظ أوامر اللّه ، وترك مناهيه ، والتوجّه إلى اللّه مولانا نور الأنوار بالكلّيّة ، وترك ما لا يعنيكم من قول وفعل ، وقطع كلّ خاطر شيطانيّ . وأوصيكم بحفظ هذا الكتاب والاحتياط فيه ، وصونه عن غير أهله ، واللّه خليفتي عليكم ، . . . فلا تمنحوه إلّا أهله ممّن استحكم طريقة المشّاءين وهو محبّ لنور اللّه .